سيد محمد طنطاوي

368

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فأجابوه بقولهم : نحن أنصار دين اللَّه - تعالى - ونحن الذين على استعداد أن نبذل نفوسنا وأموالنا في سبيل تبليغ دعوته - عز وجل - ومن أجل إعلاء كلمته . وقوله - تعالى - : * ( فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ ) * مفرع على ما قبله ، لبيان موقف قومه منه . أي : قال الحواريون لعيسى عندما دعاهم إلى اتباع الحق : نحن أنصار دين اللَّه ، ونحن الذين سنثبت على العهد . . أما بقية بني إسرائيل فقد افترقوا إلى فرقتين : فرقة آمنت بعيسى وبما جاء به من عند اللَّه - تعالى - ، وفرقة أخرى كفرت به وبرسالته . وقوله : * ( فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ ) * بيان للنتائج التي تحققت لكل طائفة من الطائفتين : المؤمنين والكافرين . وقوله : * ( ظاهِرِينَ ) * من الظهور بمعنى الغلبة ، يقال : ظهر فلان على فلان ، إذا تغلب عليه وقهره . أي : كان من قوم عيسى من آمن به ، ومنهم من كفر به ، فأيدنا وقوينا ونصرنا الذين آمنوا به ، على الذين كفروا به ، فصار المؤمنون ظاهرين ومنتصرين على أعدائهم بفضله - تعالى - ومشيئته . والمقصود من هذا الخبر حض المؤمنين في كل زمان ومكان ، على الإيمان والعمل الصالح ، لأن سنة اللَّه - تعالى - قد اقتضت أن يجعل العاقبة لهم ، كما جعلها لأتباع عيسى المؤمنين ، على أعدائهم الكافرين . قال بعض العلماء : وتأويل هذا النص يمكن أن ينصرف إلى أحد معنيين : إما أن الذين آمنوا برسالة عيسى - عليه السلام - ، هم المسيحيون إطلاقا ، من استقام ، ومن دخلت في عقيدته الانحرافات ، وقد أيدهم اللَّه - تعالى - على اليهود الذين لم يؤمنوا به أصلا ، كما حدث في التاريخ . وإما أن الذين آمنوا : هم الذين أصروا على التوحيد في وجه المؤلهين لعيسى ، والمثلثين وسائر النحل التي انحرفت عن التوحيد . ومعنى : أنهم أصبحوا ظاهرين ، أي : بالحجة والبرهان ، أو أن التوحيد الذي هم عليه ، هو الذي أظهره اللَّه بهذا الدين الأخير - أي : دين الإسلام - وجعل له الجولة الأخيرة في الأرض . كما وقع في التاريخ .